عبد العزيز عتيق
32
علم المعاني
ثم عاد فوضع لمنظومته شرحا ، وعبد الرحمن الأخضري ، وسمى نظمه « الجوهر المكنون في الثلاثة الفنون » . وممن قام باختصاره : عز الدين بن جماعة ، وأبرويز الرومي ، وزكريا الأنصاري . وتلك الشروح والتلخيصات والمنظومات إن دلت على شيء فعلى جمود الفكر البلاغي وعقمه منذ عصر السكاكي . نقول ذلك لأن كل ما ظهر من شروح وتلخيصات لكتاب المفتاح لا تخرج عن كونها ترديدا وتكرارا لمادته ، ومحاولات قصد بها الإيضاح بالشرح أو التقريب والتبسيط عن طريق الإيجاز والتلخيص والنظم ، وإذا هي من حيث لا يريد ولا يدري أصحابها قد زادت المفتاح صعوبة على صعوبة . وإنه ليخيل لمن يقرأ هذه الشروح والمتون أن واضعيها لم يكونوا علماء في البلاغة بمقدار ما كانوا معلمين لها ، يذكرون الكلمة أو العبارة من الأصل ثم يتبعونها بشرح المراد منها ، ولا يتجاوزون ذلك . كلهم في ذلك سواء ، وصدق فيهم بهاء الدين السبكي : « يتناولون المعنى الواحد بالطرق المختلفة ، ويتناوبون المشكل والواضح على أسلوب واحد . . . لا يخالف المتأخر المتقدم إلا بتغيير العبارة ، ولا يجد له على حل ما استشكل على غيره جسارة . . . قصارى أحدهم أن يعزو أبياتا من الشواهد لقائليها ، ويوسع الدائرة بما لا يقام له وزن من تكميل ناقصها ، وإنشاد ما قبلها وما يليها . . . فلو نطق « التلخيص » لتلا ما جئتم به ؟ « هذه بضاعتنا ردت إلينا » . فهذه الكتب الكثيرة التي أريد بها خدمة البلاغة والنقد قد عجزت عن أن تعلم نقدا أو بلاغة ، وهي إن دلت على شيء فعلى جمود عقول أصحابها وفقدانها القدرة على التجديد والابتكار . والمقارنة بين ما كانت عليه البلاغة العربية في العصور الأولى وما صارت إليه في العصور المتأخرة ترينا كيف ازدهرت وتوهجت شعلتها على